عام

وداع يليق بعالم جليل.. لحظة وصول جثمان الدكتور أحمد عمر هاشم إلى مسقط رأسه بالشرقية

وصل منذ قليل جثمان الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه بقرية بني عامر بمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، بعد أداء صلاة الجنازة عليه في الجامع الأزهر.

وتوفي الدكتور أحمد عمر هاشم، فجر اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 84 عامًا، بعد مسيرة علمية ودعوية حافلة، وقف خلالها شامخًا ضد التطرف، ناشرًا قيم الوسطية والاعتدال، ورافعًا راية العلم والرحمة لعقود طويلة. 

وصل الجثمان وسط زحام شديد من الأهالي والمصلين والعلماء، الذين توافدوا منذ ساعات الصباح الباكر لتوديع العالم الجليل. وكانت مشاهد التدافع واضحة نتيجة كثافة الحضور، حيث احتشد الناس على جانبي الطريق المؤدي إلى الساحة الهاشمية، حاملين أكفان الدعاء والحنين، متجاوزين حاجز الزمن، وكأن حضورهم وحده يعيد الحياة لحياة الإمام الذي علمهم أن الدين رحمة وعقل، لا صدام وقسوة.

وُلد الراحل في 6 فبراير 1941 في بيتٍ عُرف بالعلم والنسب الشريف الممتد إلى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما. وفي ساحته الهاشمية، بين حلقات الذكر ومجالس العلماء، تفتّحت مدارك الطفل الذي حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو في العاشرة، وألقى أول خطبة له في الحادية عشرة، لتبدأ ملامح الخطيب والعالم في التكوّن منذ الصغر.

اختار طريق الأزهر، وتدرج في مدارسه حتى حصل على الدكتوراه، وعُيّن أستاذًا للحديث وعلومه، ثم عميدًا لكلية أصول الدين بالزقازيق عام 1987، قبل أن يتولى رئاسة جامعة الأزهر عام 1995. وكان طلابه يرونه أبًا قبل أن يكون أستاذًا، يستمع لهم ويعلّمهم أن رحمة الدين والخلق الحسن أساس العلم الحقيقي.

صوته، الذي امتد من فوق المنابر إلى الإعلام، كان ضوءًا يذكّر الناس بأن الدين منهج حياة، لا صوتًا صارمًا للغلو. وكان كثيرًا ما يختم خطبه بأبيات من ديوانه «نسمات إيمانية»، معبّرًا فيها عن شوقه للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وحبه للإنسانية جمعاء.

لم يكن مجرد خطيب وأكاديمي، بل سفيرًا للفكر الأزهري في العالم، جاب بلدانًا عربية وإسلامية وغربية، وشرح جوهر الإسلام كدين حوار وعدل ورحمة. وكرر دائمًا: “الأزهر ليس مكانًا، بل رسالة تمتد إلى كل بقاع الأرض”.

ترك وراءه إرثًا علميًا زاخرًا تجاوز الأربعين مؤلفًا، من أبرزها: الإسلام وبناء الشخصية، من هدى السنة النبوية، الشفاعة في ضوء الكتاب والسنة، وقصص السنة. كما أشرف على إعداد موسوعة حديثية معاصرة جمعت الأحاديث النبوية وفق تصنيف فقهي وموضوعي لتكون زادًا للباحثين وطلاب العلم.

نال خلال مسيرته جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1992، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وفي يناير 2023 منحته نقابة الأشراف لقب «شيخ الشرف»، تقديرًا لمكانته العلمية ونسبه الهاشمي الشريف. ورغم كل هذه الألقاب، ظل زاهدًا في الأضواء، يفضّل الجلوس بين تلاميذه على المنصات الرسمية، محتفظًا بتواضعه وبساطته التي لم تفارقه يومًا.

مع الإعلان عن وفاته صباح اليوم عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، عمّت موجة حزن واسعة في الأوساط العلمية والدينية، وتوافد المئات من العلماء، وأساتذة الجامعات، والمواطنين من مختلف القرى والمدن، لمشاركة لحظة وداع آخر لعالمٍ رحل حاملًا نور العلم والوسطية في زمن علا فيه صوت التطرف.

وفي لحظة وصول الجثمان إلى الساحة الهاشمية، بدا المشهد مؤثرًا بامتزاج الصمت بالدعاء، وتكاثف الناس حول التابوت، بينما تزايد التدافع نتيجة الزحام الشديد، في مشهد يعكس محبة الناس لعالم جليل ترك أثرًا خالدًا في نفوس كل من عرفه.

رحم الله الدكتور أحمد عمر هاشم، الإمام الذي عاش للعلم والدعوة الوسطية، ورحل في صمت يليق بالكبار، تاركًا للأجيال إرثًا من الفكر المعتدل والرحمة التي وسعت الجميع.

Follow us on Google News Button

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى